تواجه إيران أزمة مصرفية غير مسبوقة أدت إلى انهيار أحد البنوك، وذلك بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد والتي دفعت الإيرانيين للنزول إلى الشوارع والميادين من أجل الاحتجاج على الأوضاع المعيشية المتدهورة بعد أن هوت العملة المحلية بشكل غير مسبوق خلال الشهور الماضية وارتفعت نسب التضخم إلى مستويات قياسية.
وقال تقرير نشرته جريدة “وول ستريت جورنال” الأميركية، واطلعت عليه “العربية Business”، إنه في أواخر العام الماضي، أفلس بنك أينده، الذي كان يُدار من قبل المقربين للنظام، وذلك بعد أن أثقلته الخسائر التي بلغت نحو 5 مليارات دولار نتيجة تراكم القروض المتعثرة.
وقامت الحكومة بدمج البنك المنهار في بنك حكومي، وطبعت كميات هائلة من النقود في محاولة للتغطية على الخسائر، إلا أن ذلك أخفى المشكلة لبعض الوقت لكنه لم يحلها.
وتقول الصحيفة إن هذا الانهيار أصبح رمزاً وعاملاً مُسرّعاً لانهيار اقتصادي، أشعل فتيل الاحتجاجات التي تُشكّل الآن أخطر تهديد للنظام منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية قبل نصف قرن.
وأظهر انهيار البنك بوضوح أن النظام المالي الإيراني، الذي يرزح تحت وطأة سنوات من العقوبات، والإقراض غير الرشيد، والاعتماد على طباعة النقود التي أدت إلى التضخم، قد أصبح أكثر عجزاً ونقصاً في السيولة.
وتقول الجريدة الأميركية إنه يسود الاعتقاد بأن “خمسة بنوك أخرى تعاني من وضع مماثل من الضعف”.
وجاءت الأزمة في أسوأ وقت ممكن، فقد تضررت مصداقية الحكومة الإيرانية بشدة جراء حرب استمرت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو الماضي، والتي أظهرت عجزها عن حماية شعبها من أي هجوم، فيما رفض قادتها التراجع في المفاوضات بشأن البرنامج النووي للبلاد، مما جعل تخفيف العقوبات أمراً بعيد المنال، بحسب “وول ستريت جورنال”.
العملة الإيرانية المنهكة
وانزلقت العملة الإيرانية المنهكة، الريال، إلى دوامة هبوط جديدة لم يكن لدى البلاد سوى القليل من القدرة على إيقافها، وقد أدت الإجراءات الأميركية إلى قطع إيران عن تدفق الدولارات الحيوي من العراق، وخفضت بشكل كبير عائداتها من العملات الأجنبية من مبيعات النفط.
وقال عدنان مزاري، نائب المدير السابق لإدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي: “كان هذا بنكاً ذا نفوذ واسع، مما يؤكد أن النظام المصرفي بحد ذاته قناة لإثراء ذوي النفوذ”.
وأضاف أن انهيار البنك زاد مما وصفه بـ “تفاقم فقدان النظام لشرعيته في أعقاب الهجوم الإسرائيلي”، حيث تأسس بنك أينده عام 2013 على يد علي أنصاري، رجل الأعمال الإيراني الذي دمج بنكين حكوميين مع بنك آخر أسسه سابقاً لتشكيل هذا البنك الجديد، وينحدر أنصاري من إحدى أغنى عائلات البلاد، ويمتلك قصراً فخماً في شمال لندن تبلغ قيمته ملايين الدولارات.
وفرضت بريطانيا عقوبات على أنصاري العام الماضي بعد أيام قليلة من انهيار بنك أينده، واصفةً إياه بأنه “مصرفي ورجل أعمال إيراني ساهم في تمويل الحرس الثوري الإسلامي”.
وفي بيان صدر في أكتوبر، ألقى أنصاري باللوم في انهيار البنك على “قرارات وسياسات خارجة عن سيطرة البنك”.
معدلات فائدة مرتفعة
وقدّم بنك أينده أعلى معدلات فائدة بين البنوك الإيرانية، ما جذب ملايين المودعين، واقترض بكثافة من البنك المركزي الذي طبع النقود للحفاظ على استمرارية البنك، وفقاً لخبراء اقتصاديين.
ومثل غيره من البنوك الإيرانية المتعثرة، كان لدى أينده عدد كبير من القروض المتعثرة، وهو أحد العوامل العديدة التي أدت في النهاية إلى انهياره.
وتعرّض بنك أينده لانتقادات حادة لسنوات من قبل بعض السياسيين المحافظين والإصلاحيين الذين ضغطوا من أجل إغلاقه، بحجة أن دعم البنك المركزي له سيؤدي إلى ارتفاع التضخم نتيجة حاجته إلى طباعة النقود لتمويله.
وبلغت هذه المطالبات ذروتها أواخر العام الماضي، ففي أكتوبر، دعا رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إيجي، البنك المركزي علناً إلى اتخاذ إجراءات، مهدداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي باتخاذ تدابير قانونية إذا لم تتدخل السلطات المصرفية، وفي اليوم التالي، أعلن البنك المركزي حلّ البنك.
البنوك المتعثرة
وتقول “وول ستريت جورنال” إن ما لا يقل عن خمسة بنوك إيرانية أخرى تواجه مصيراً مشابهاً، ومن بين هذه البنوك بنك سباه الحكومي، أحد أكبر البنوك في البلاد، والذي سبق له أن استوعب بنوكاً أخرى متعثرة.
وكان بنك أينده في قلب ما يصفه الاقتصاديون بأنه أزمةٌ أوسع نطاقاً في النظام المالي، تفاقمت بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية عام 2018.
ونظراً لنقص التمويل، اعتمدت البنوك الإيرانية على الاقتراض من البنك المركزي عبر آلية سيولة طارئة تفرض فوائد مرتفعة، لكنها تُقرض الأموال دون اشتراط ضمانات، ثم استثمرت البنوك الأموال بشكل غير حكيم، وغالباً ما أقرضت النخب المتنفذة للانخراط في المضاربات ومشاريع البناء الضخمة.
وقام البنك المركزي بطباعة النقود لتمويل هذه القروض، الأمر الذي حذر منه مسؤولون مصرفيون واقتصاديون منذ فترة طويلة، مؤكدين أنه يخلق دوامة تضخمية ويضعف العملة.





