متفرقات: دبابيس

رياض سلامة “برأ” نفسه… فهل اقتنع اللبنانيون؟

ناجي الخوري

في لحظة تزداد فيها حدّة الأسئلة حول مستقبل الاقتصاد اللبناني ومصير النظام المالي الذي عاش عقودًا على توازنات هشة ومقاربات مالية ملتبسة، إكتسبت المقابلة الاولى لحاكم مصرف لبنان السابق ،رياض سلامة،بعد الافراج عنه، دلالات تتجاوز حدود الإعلامي إلى السياسي والاقتصادي والنفسي.

فالرجل الذي شكّل طوال ثلاثين عامًا أحد أبرز أعمدة السياسة النقدية في لبنان، والذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى محور اتهامات محلية ودولية تتراوح بين الفساد المالي وسوء الإدارة، عاد ليطلّ من جديد على الجمهور العربي واللبناني في مقابلة أثارت بطبيعتها نقاشًا حول الرواية المتضاربة لأكبر انهيار مالي في تاريخ لبنان الحديث.

ليست المسألة مجرد مقابلة عابرة، بل هي أشبه بعودة إلى السجال، في لحظة حساسة: لحظة تتشابك فيها ملفات التحقيقات القضائية الأوروبية، والصراع السياسي الداخلي، ومسار الإصلاح المالي الذي تعثّر مع صندوق النقد الدولي، إضافة إلى استمرار الفوضى في القطاع المصرفي، وتدهور القدرة الشرائية، وانهيار الليرة، واتساع الهوّة بين المواطن والمؤسسات المالية، حيث أن أي كلمة تصدر عن سلامة، سواء دفاعًا عن نفسه، أو محاولة لإعادة رسم صورة عهده، أو تبريرًا لما جرى، تنعكس مباشرة على المزاج العام، وعلى النقاش الوطني حول المسؤوليات وكيفية الخروج من النفق.

من هنا، تزداد أهمية المقابلة لأنّ رياض سلامة، رغم خروجه من الحاكمية رسميًا، لا يزال يحضر بقوة في المشهد الاقتصادي: فالقوانين المالية التي أقرت خلال ولايته لا تزال سارية، والهندسات المالية التي نفّذها بين 2016 و2019 ما زالت موضع بحث بين خبراء الاقتصاد والسلطات المالية الدولية، والقطاع المصرفي يعمل إلى اليوم تحت تأثير تراكمات سياساته. كذلك فإن غياب أي محاسبة واضحة وحاسمة،سواء من قبل الدولة أو القضاء، يجعل من كل إطلالة إعلامية لسلامة محطة لإعادة خلط الأوراق.

هكذا، تبدو المقابلة مناسبة لتفكيك مجموعة من المقاربات: فما الذي يريد سلامة قوله؟ هل يسعى إلى تثبيت رواية معيّنة حول الانهيار المالي؟ هل يحاول نفي الاتهامات القضائية الدولية وإظهار نفسه كـ”كبش محرقة” لصراع سياسي؟ أم أنّه يريد إعادة تقديم نفسه كشاهد على ما جرى، لا كصانع لسياسات أدّت إلى الكارثة؟ في المقابل، كيف ينظر الشارع اللبناني، المتضرّر الأكبر من الأزمة، إلى مثل هذه الإطلالة التي غالبًا ما تُعيد فتح الجروح الاقتصادية المفتوحة منذ سنوات؟

من الواضح، أنه لا يمكن فصل المقابلة عن ثلاث سياقات متوازية:

  • السياق الأول: سياق الانهيار المالي المتواصل:
    فالاقتصاد اللبناني ما زال يعيش تداعيات انهيار 2019: المصارف أقفلت أبواب الثقة قبل أن تغلق أبوابها الفعلية، المودعون فقدوا قيمة مدّخراتهم، سعر الصرف بقي رهينة مضاربات وسوق سوداء، والاقتصاد يتّكل إلى حد كبير على الدولارات النقدية الآتية من الخارج. أمور تضفي حساسية خاصة على أي حديث يصدر عن الحاكم السابق، الذي يُحمّله جزء من الرأي العام مسؤولية مباشرة عن الوصول إلى هذا المنعطف الخطير.
  • السياق الثاني: سياق المواجهة القضائية والسياسية:

رياض سلامة يواجه سلسلة تحقيقات في عدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى ملفات مفتوحة في لبنان، وبالتالي فإن ظهوره الإعلامي قد يكون محاولة لتوجيه الرأي العام أو التأثير على مزاج القضاء أو تفنيد الاتهامات. يأتي ذلك في ظل نظام سياسي يفتقر إلى استقلالية حقيقية للقضاء، ما يضاعف حساسية كل كلمة وكل إشارة.

  • السياق الثالث: مرحلة انتقالية داخل المصرف المركزي نفسه:

فالحاكمية الحالية ورثت نظامًا مثقلًا بالأعباء، وتحتاج إلى رسم مسار جديد لاستعادة الثقة، سواء عبر قانون “الكابيتال كونترول”، أو إعادة هيكلة المصارف، أو تحديد خسائر الدولة والمصرف المركزي والقطاع المصرفي. وبالتالي فإن أي مقارنة بين “المرحلة السابقة” و”المرحلة اللاحقة” أجراها سلامة في إطلالاته الإعلامية، هي جزء من محاولة لإعادة كتابة سردية الانهيار.

ضمن هذا المشهد المليء بالالتباسات والاتهامات والتفسيرات المتناقضة، تأتي مقابلته لتفتح الباب أمام قراءة نقدية معمّقة. فسلامة لا يتحدث فقط عن الماضي، بل عن حاضر يتشكّل وعن مستقبل يبحث عن ملامحه. فتصريحاته، مهما كان مضمونها، ستُستخدم من الأطراف المختلفة: بعضهم سيستشهد بها لتأكيد “براءته”، وبعضهم سيعدّها محاولة جديدة للهروب من المسؤولية، فيما سيعتبرها آخرون جزءًا من معركة سياسية أكبر تُدار على حساب الحقيقة المالية.

بهذا المعنى، تصبح إطلالته فرصة، ليس فقط لتقييم ما قاله، بل لتحليل الخطاب النقدي اللبناني بكل تناقضاته، ولفهم كيف تُروى الأزمات، وكيف تُكتب الروايات المالية في بلد لم يصل بعد إلى مرحلة المكاشفة والمحاسبة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *