الفجوة المالية: شطب ٤٠٪ من الودائع وسداد الباقي خلال ٥ الى ٢٥ سنة
منير يونس
بدأت تتبلور الأفكار والأرقام الأولية التي سيبنى عليها مشروع قانون الفجوة المالية، او مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، وفيها شطب ٤٠٪ من الودائع، والباقي يسدد بين ٥ و٢٥ سنة.
هذه المقترحات وتلك الأرقام يجري تداولها حاليا بين مصرف لبنان ووزارة المالية والفريق الاقتصادي العامل مع رئيس الحكومة نواف سلام.
ما من نص نهائي متفق عليه نهائياً بعد لكن يمكن ذكر التسريبات المتوفرة وفقا لمصادر متقاطعة ، وهي ان هناك شطباً بنسبة ٤٠٪ من الودائع تحت مسميات مختلفة:
- ودائع مشبوهة او غير مشروعة (٧.٥٤ مليار دولار)،
- فوائد إضافية مبالغ فيها منذ ٢٠١٥ (١٣.٧٩ مليار دولار)
-ودائع حولت من ليرة الى دولار بعد 17 تشرين 2019 (يشطب منها ٩،٨٢ مليار دولار، ويسدد الباقي)
-إضافة الى طلب إعادة اموال حولت الى الخارج ولم تسترجع وفقا للتعميم ١٥٤ الذي أصدره مصرف لبنان في ٢٠٢٠ (٢،٨٥ مليار دولار).
وبذلك ينخفض رصيد الودائع من نحو ٨٤ مليار دولار الى ٤٩،٩ مليار دولار يتم توزيع تحملها بين مصرف لبنان (١٩،٩٧ مليار دولار) والدولة (١٦،٥ مليار دولار) والمصارف (١٣،٥ مليار دولار).
الأولوية في السداد لودائع حتى ١٠٠ ألف دولار لكل مودع وخلال ٥ الى ٧ سنوات ، والإجمالي ١٧.٤٨ مليار.
والباقي يوزع على شرائح مقابل إعطاء المودعين سندات:
- ودائع من 100 ألف الى مليون دولار تسدد بسندات بفائدة ١٪ وباستحقاق ١٥ سنة واجمالي المبلغ ١٨،٥ مليار دولار،
-ودائع حتى ٥ ملايين دولار تسدد بسندات بفائدة ١٪ وباستحقاق ٢٠ سنة واجمالي المبلغ ٨،٦ مليار دولار،
-الودائع الضخمة أي من ٥ ملايين وما فوق تسدد أيضا بسندات وبفائدة ١٪ وباستحقاق ٢٥ سنة وقيمتها ٥.٢ مليار دولار.
هذه الأرقام يجري تداولها في مصرف لبنان وفي النطاق الحكومي المعني بإعداد مشروع القانون. وفي مقدم العقبات هو رفض وزارة المالية للقرض الذي يدّعيه مصرف لبنان على انه سبق ومنحه للدولة وقيمته ١٦.٥ مليار دولار.
فالوزارة توكد ان هذا القرض ليس مسجلاً في دفاترها وهو حتما، وفقا لمصادر وزارة المالية، من الألاعيب المحاسبية التي كان الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة يمارسها بشكل غير قانوني وعلى هواه. فأي دين عام يجب ان يمر اقراره في مجلس النواب، وما يدعيه مصرف لبنان مرفوض من صندوق النقد الدولي ومن حملة سندات اليوروبوندز ، اذ كيف يمكن قبول دين عام على الدولة لا يعرف عنه صندوق النقد ولا حملة السندات ولا مجلس النواب ولا الحكومة ووزارة المالية شيئا؟؟ وكيف تم إخفاء هذا المبلغ منذ ٢٠٠٧ ثم ظهر فجأة في ٢٠٢٣؟ وكيف للحاكمية الجديدة لمصرف لبنان ان تقبل بذلك من دون التدقيق المحاسبي المناسب والمطلوب في هكذا نوع من الحسابات غير السوية ان لم نقل المزورة، برأي مصدر حكومي رفيع يذكّر حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بضرورة استكمال التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان أولا وقبل تداول ارقام غير متفق عليها وفقا للأصول؟ كما ان ادراج هذا العبء على الدولة قد ينسف مبدأ استدامة الدين العام أي قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية من دون الوقوع في خطر التعثر مجدداً، وفقا لمستشار مالي دولي يعمل مع الحكومة.
في المقابل، فان وزارة المالية منفتحة على نقاش مسؤولية الدولة عن رسملة مصرف لبنان وفقا لقانون النقد والتسليف، وكان ذلك بدأ بالتوافق مع صندوق النقد الدولي في الاتفاق المبدئي الذي وقعه لبنان مع الصندوق في ٢٠٢٢، والرسملة هذه كانت آنذاك عبر سندات بقيمة ٢،٥ مليار دولار، علما ان النقاش اليوم يدور حول ٥ مليارات دولار عبارة عن سندات أيضاً تصدرها الدولة لمصلحة مصرف لبنان ضمن سياق الحل الشامل الذي يحترم مبدأ استدامة الدين العام.
في الملاحظات الأخرى فإن مُهل الاسترداد فيما يقترحه مصرف لبنان طويلة نسبياً، وهناك أطراف حكومية تعمل على تقصير تلك المهل خصوصاً للودائع الصغيرة (حتى ١٠٠ الف دولار) على ان يصبح سدادها خلال أربع سنوات. اما السندات فيتحول سدادها الى ١٠ و١٥ و٢٠ سنة وذلك ربما بلا فائدة .
وعلى صعيد استرجاع الأموال التي هُرّبت الى الخارج فالنقاش في السراي الحكومي يتناول طلب استرجاع ما حوله المصرفيون (مساهمون وأعضاء مجالس إدارات و كبار مديرين) الى الخارج وذلك ليس من تاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ بل اعتباراً من ٦ اشهر قبل ذلك على اعتبار ان مصرفيين كانوا يملكون المعلومات السرية الخاصة بقرب وقوع الأزمة وتصرفوا على أساسها خلافاً للقوانين ذات الصلة. اما الآخرون الذين حولوا أموالاً الى الخارج فهناك مقترحات لفرض ضريبة عليهم.
وعن السندات التي ستعطى للمودعين فهي مضمونة بموجودات مصرف لبنان التي تضم عقارات ومساهمات في شركات مثل طيران الشرق الأوسط وأنتزا والكازينو، كما هناك طرح من قبل مصرف لبنان لاستثمار جزء من الذهب، لكن عائدات هذا الاستثمار ، وفقا لدراسات وزارة المالية، ليست مجزية، ولا تشكل فرق كبيراً.
وتفيد مصادر مصرف لبنان ان الضمانات التي سيضعها مقابل تلك السندات قيمتها اليوم ٢٠-٢٥٪ من اجمالي القيمة الإسمية للسندات التي ستعطى للمودعين لا سيما كبارهم، لكن القيمة قد ترتفع مع الزمن ويمكن تداول هذه السندات في بورصة بيروت.
اما في حال استخدام جزء من مخزون الذهب بقيمة ١٠ مليارات دولار، على سبيل المثال لا الحصر، كضمان للسندات كما هو متداول من بعض الأطراف (نواب ووزراء ومستشارون) التي تحاول كسر “تابو” إستخدام الذهب لرد الودائع، فان تلك السندات ترتفع قيمتها، لكن رئيس الحكومة نواف سلام ليس من مؤيدي هذه الفكرة ويطلب أفكاراً أخرى بديلة.
في جانب المصارف هناك اعتراض على تحميلها ١٣.٥ مليار دولار علما ان هذا المبلغ هو عبارة عن رسملة جديدة بقيمة ٣ مليارات إضافة الى موجودات لدى المصارف مثل محفظة القروض الباقية والضمانات العقارية مقابلها وعقارات تملكها المصارف وما بقي لدى البنوك من سندات يوروبوندز بالإضافة الى ملياري دولار سيولة جاهزة موجودة لدى البنوك المراسلة .. ليصل الإجمالي الى 10 مليارات دولار.
اعتراض المصارف نابع من ادعاء عدم قدرتها على تحمل هذا العبء مع تكرار طلب تحميل الدولة ومصرف لبنان كل الخسائر لأنه بنظر المصارف هم من بدد اموال المودعين، علماً ان ما اودعته المصارف لدى مصرف لبنان (شهادات إيداع) وما استثمرته في سندات الخزينة بالليرة والدولار فضلاً عن الهندسات المالية الشهيرة هو عبارة عن استثمار بعوائد مرتفعة جداً كانت المصارف تعرف مخاطره تماماً كما تؤكد عدة مصادر وكالات التصيف الائتماني الدولية التي سبق وناقشت هذا الامر مع مسؤولي المصارف سنوات قبل وقوع الأزمة.
بالنسبة لصندوق النقد الدولي فانه لن يناقش أفكاراً ليست رسمية بعد وهي في إطار المحاولات الأولية لتوزيع الخسائر، ويعتقد خبراء الصندوق انها ستتغير كثيراً حتماً إذا أراد لبنان اتفاقاً جديداً مع الصندوق. اما بالنسبة لبعض جمعيات المودعين بالإضافة الى الإعلام الذي يدور في فلك المصارف ($) فقد بدأت حملة لمساندة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مطالبته بمبلغ ال ١٦.٥ مليار دولار الذي، برأيه ورأيهم، على الدولة تحمله لا محالة، وإلا فان النقاش سيذهب فوراً الى استخدام الذهب خصوصا لكبار المودعين.
على الصعيد السياسي ينشط نواب “المنظومة” لإقناع رئاسة الجمهورية ومصرف لبنان والحكومة بعدم طرح مشروع القانون بالصيغة المتداولة حالياً، لأن ذلك سيحرج النواب عشية الانتخابات. فهؤلاء النواب وهم اكثرية نواب الأحزاب الطائفية الوازنة (مسلمون ومسيحيون) يفضلون تأجيل النقاش الى ما بعد الانتخابات حتى لا يحرجهم الناخبون، بيد أن في طيات ذلك أجندة خفية يضمرها نواب الأحزاب الطائفية الكبيرة لتحميل الدولة العبء الأكبر حتى لو لزم الأمر استخدام الذهب او أصول الدولة.. وهذا النقاش سيُفتح عاجلاً أم آجلاً كحل بديل عن المساءلة والمحاسبة التي لا يريدها هؤلاء الذين لطالما استسهلوا الغرف من المال العام ومستمرون في ذلك رغم الوضع المالي المزري للدولة.



