أخبار خاصة

قناة الملك سلمان بديل مضيق هرمز…. خريطة جديدة للطاقة

ناجي الخوري

يشكّل الحديث عن مشروع قناة الملك سلمان كبديل عن مضيق هرمز نقلة نوعية في التفكير الجيو – اقتصادي الخليجي، لأنه لا يتعلّق بمجرد مشروع بنية تحتية، بل بإعادة رسم جزء من خريطة الطاقة العالمية. فالمضيق الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان يُعدّ اليوم أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، إذ يمرّ عبره ما يقارب 17 إلى 20 مليون برميل نفط يومياً، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي تقريباً، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج.

وبالتالي فإن أي توتر عسكري أو أمني في تلك البقعة الضيقة، التي لا يتجاوز عرضها الملاحي الفعلي في بعض مناطقه 3 كيلومترات لكل اتجاه، كفيل بإحداث صدمة فورية في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

من هذا المنطلق، يبرز مشروع قناة الملك سلمان كفكرة استراتيجية تهدف إلى خلق منفذ بحري مباشر من الخليج العربي إلى بحر العرب، متجاوزاً عنق الزجاجة في هرمز. الفكرة الأساسية تقوم على شق قناة صناعية تمتد لمئات الكيلومترات عبر الأراضي السعودية، وصولاً إلى بحر العرب، بما يسمح لناقلات النفط والسفن التجارية بالوصول إلى المحيط الهندي من دون المرور بالمضيق.

وبحسب التصورات المتداولة، قد يصل طول القناة إلى نحو 950 كيلومتراً، بعرض يقارب 150 متراً وعمق يناهز 25 متراً، ما يسمح بعبور ناقلات عملاقة من فئة VLCC. أما الكلفة التقديرية فتتراوح، وفق سيناريوهات مختلفة، بين 80 و100 مليار دولار للحفر والإنشاءات الأساسية، وقد ترتفع إلى حدود 200 أو حتى 250 مليار دولار إذا أضيفت إليها مشاريع الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية المصاحبة.

استراتيجياً، تمثّل الفكرة محاولة لإعادة توزيع المخاطر الجيوسياسية. فدول الخليج، وفي مقدمها السعودية، تعتمد تاريخياً على مسار بحري واحد لتصدير القسم الأكبر من إنتاجها النفطي. ورغم وجود خطوط أنابيب بديلة، مثل خط شرق – غرب السعودي الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر بطاقة تقارب 5 ملايين برميل يومياً، يبقى الجزء الأكبر من صادرات المنطقة معتمداً على المرور عبر هرمز.

فإنشاء قناة جديدة يعني عملياً خلق «خيار سيادي» بديل، يخفف من تأثير أي إغلاق محتمل أو تهديد عسكري، سواء من جانب إيران أو نتيجة صراع إقليمي أوسع.

لكن المسألة لا تقتصر على البعد الأمني. فاقتصادياً، يمكن لمشروع بهذا الحجم أن يعيد تشكيل الجغرافيا التنموية داخل الجزيرة العربية، حيث ستمر القناة المقترحة عبر مناطق صحراوية واسعة، ما يفتح الباب أمام إنشاء مدن صناعية جديدة، ومرافئ حديثة، ومراكز لوجستية مرتبطة بخطوط السكك الحديدية والطرق البرية.

ومن شأن ذلك أن يحفّز استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات غير نفطية، متماهياً مع توجهات تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على عائدات الخام. كما أن رسوم العبور، في حال استقطاب جزء معتبر من حركة الملاحة، قد توفّر مورداً مالياً طويل الأمد شبيهاً بما تحققه قنوات عالمية أخرى.

إلا أن الطموح الاستراتيجي يصطدم بتحديات ضخمة:

  • التحدي الهندسي: فحفر قناة بطول يقارب ألف كيلومتر في بيئة صحراوية قاسية يتطلب تقنيات متقدمة وإدارة معقدة للمياه والملوحة والارتفاعات الجغرافية.
  • التحدي البيئي، إذ إن ربط مسطحين مائيين مختلفين قد يخلّ بالتوازن البيئي، ويؤثر في الحياة البحرية والنظم الساحلية في الخليج وبحر العرب.
  • التحدي الثالث فهو السياسي، إذ إن بعض المسارات المحتملة قد تقترب من حدود اليمن، ما يفرض حسابات أمنية وإقليمية دقيقة في منطقة تعاني هشاشة مزمنة.

من منظور الاقتصاد السياسي العالمي، يمكن قراءة المشروع أيضاً في سياق المنافسة على طرق التجارة الدولية. فالصين، عبر مبادرة «الحزام والطريق»، تسعى إلى تأمين مسارات آمنة لتدفق الطاقة نحو شرق آسيا، بينما تراقب الولايات المتحدة وحلفاؤها أي تحولات قد تعيد توزيع موازين النفوذ البحري.

وبالتالي فإن قناة بديلة عن هرمز قد تصبح جزءاً من لعبة توازنات أوسع بين القوى الكبرى، لا مجرد مشروع وطني. كما أن تأثيرها المحتمل على أسواق النفط سيكون مرتبطاً بمدى قدرتها على استيعاب حجم مماثل لما يمر عبر المضيق حالياً، وهو أمر يتطلب سنوات طويلة من البناء والتشغيل التجريبي.

عليه، تمثل قناة الملك سلمان، إذا تحولت من فكرة إلى واقع، محاولة لإعادة صياغة معادلة الأمن الطاقوي في الخليج. فهي تجمع بين الطموح الهندسي العملاق والرؤية الجيوسياسية بعيدة المدى، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على كلفة مالية وبيئية وسياسية هائلة.

فبين هاجس المخاطر في مضيق هرمز وإغراء الاستقلال الاستراتيجي، يبقى السؤال المركزي: هل العائد المتوقع، أمنياً واقتصادياً، يبرر استثماراً قد يصل إلى ربع تريليون دولار؟

سؤال هو جوهر النقاش الدائر حول المشروع، وهو ما سيحدد ما إذا كانت القناة ستبقى تصوراً نظرياً، أم تتحول يوماً إلى أحد أكبر التحولات الجيو – اقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *