أخبار اقتصادية

قطاع غير شرعي يفاوض الدولة…فمن يحكم الكهرباء في لبنان؟

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

إن مشهد أصحاب المولدات وهم يعتصمون أمام وزارة الطاقة للمطالبة بـ”الإنصاف” يختصر إحدى أكبر مفارقات الدولة اللبنانية. فالقطاع الذي وُلد أصلاً كحل مؤقت لسد عجز مؤسسة كهرباء لبنان، تحول مع مرور السنوات إلى سلطة اقتصادية تفرض شروطها على المواطنين، ثم بات يطالب الدولة بحقوقه وكأنه قطاع عام أو مرفق شرعي.

أصحاب المولدات يتحدثون اليوم عن الشفافية والعدالة في احتساب التعرفة، لكن أين كانت هذه الشفافية طوال عقود؟ كم مواطناً كان يعرف الكلفة الحقيقية للكيلوواط؟ وكم مشتركاً اضطر إلى دفع فواتير باهظة من دون أي قدرة على الاعتراض أو اختيار مزود آخر؟ وأين كانت المنافسة في قطاع يقوم في معظم المناطق على الاحتكار وتقاسم النفوذ الجغرافي؟

لا أحد ينكر أن تشغيل المولدات يترتب عليه أكلاف فعلية، لكن لا يجوز تجاهل أن هذا القطاع راكم، على مدى سنوات، أرباحاً كبيرة مستفيداً من انهيار الدولة، حتى أصبح في كثير من المناطق بديلاً عن المؤسسة العامة، من دون أن يخضع لمعايير الخدمة العامة أو للرقابة الكافية أو للمساءلة المالية والضريبية التي تخضع لها المؤسسات النظامية.

إن مطالبة أصحاب المولدات بجدول أسبوعي للمازوت وآلية عادلة للتسعير قد تكون مشروعة من حيث المبدأ، لكنها تفقد الكثير من صدقيتها عندما تصدر عن قطاع لا يزال خارج الإطار القانوني الكامل، ويستفيد من غياب المنافسة، ويعمل في ظل دولة فقدت قدرتها على إدارة أهم مرفق حيوي فيها.

وفي المقابل، لا يمكن إعفاء وزارة الطاقة من المسؤولية، بل إن مسؤوليتها تبقى الأكبر. فمن غير المقبول أن يمر أكثر من ثلاثة عقود بعد انتهاء الحرب الأهلية، ولا تزال الكهرباء في لبنان تعتمد على مولدات خاصة يفترض أنها كانت حلاً مؤقتاً لأشهر، فإذا بها تتحول إلى واقع دائم.

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة ووزارات الطاقة المتعاقبة في بناء قطاع كهرباء مستدام، رغم إنفاق مليارات الدولارات على هذا القطاع. والنتيجة أن المواطن اللبناني يدفع فاتورتين للكهرباء، فيما تستمر الدولة في تسجيل الخسائر، ويستمر الاقتصاد في تحمل أحد أعلى أكلاف الطاقة في المنطقة.

الوزارة التي تعجز عن تأمين كهرباء مستقرة لا تستطيع أن تكتفي بإدارة أزمة المولدات شهراً بعد شهر عبر إصدار التعرفة، بل كان يفترض بها أن تضع جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الحاجة إلى هذا القطاع تدريجياً، لا أن يصبح دورها تنظيم اقتصاد موازٍ نشأ أصلاً بسبب فشلها.

الحقيقة المؤلمة أن الصراع الدائر اليوم ليس بين وزارة ناجحة وقطاع يطالب بالمزيد، بل بين إدارة عامة أخفقت في أداء واجبها، وقطاع خاص نما في ظل هذا الإخفاق حتى أصبح أقوى من الحل نفسه. أما الضحية الوحيدة فهي المواطن، الذي لا يشارك في تحديد التعرفة، ولا يملك حق الاختيار، ولا يحصل في المقابل على خدمة كهرباء تليق بدولة في القرن الحادي والعشرين.

المطلوب ليس تحسين شروط التفاوض بين الوزارة وأصحاب المولدات، بل إنهاء الحاجة إلى المولدات أساساً، عبر إصلاح جذري لقطاع الكهرباء، وتفعيل الهيئة الناظمة، وإشراك القطاع الخاص وفق قواعد تنافسية شفافة، وتأمين إنتاج ونقل وتوزيع مستدام للكهرباء. أما استمرار إدارة الأزمة بالتسويات الشهرية، فلن يؤدي إلا إلى تكريس اقتصاد المولدات وتعميق فشل الدولة

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *