كشف باحثون من جامعة موناش الأسترالية ومعهد Lions Eye Institute عن آلية مناعية جديدة توصف بأنها “منظّم المرور” الأساسي لخلايا الجهاز المناعي، مع تحذير من أن فيروساً شائعاً قادر على تعطيلها وإضعاف الاستجابة المناعية للجسم.
وبحسب دراسة نُشرت في مجلة Nature، تبيّن أن بروتيناً يُعرف باسم CD44 يلعب دوراً محورياً في تنظيم حركة الخلايا المناعية وتنسيق تواصلها داخل الأنسجة، عبر شبكة من الخلايا الداعمة تُسمّى الخلايا اللحمية (Stromal cells)، التي تضمن انتقال الخلايا المناعية بسلاسة وتبادلها للمعلومات الضرورية لمكافحة العدوى والاستجابة للقاحات والحفاظ على صحة الجسم العامة.
كيف يعمل “منظّم المرور”؟
يوضح الباحثون أن CD44 يعمل كعنصر تحكم مركزي، يوجّه الخلايا المناعية إلى المكان والوقت المناسبين لأداء وظائفها. وبدون هذا التنظيم الدقيق، تفقد الخلايا المناعية قدرتها على التنسيق، ما ينعكس سلباً على كفاءة الدفاعات الطبيعية للجسم.
لكن المفاجأة التي كشفتها الدراسة أن فيروس المضخم للخلايا (Cytomegalovirus – CMV)، وهو فيروس شائع يُصيب نسبة كبيرة من البشر دون أعراض واضحة في كثير من الحالات، يستطيع اختطاف هذه الآلية الحيوية.
وأظهرت النتائج أن الفيروس يُنتج بروتيناً خاصاً يعطّل وظيفة CD44 داخل الخلايا اللحمية، ما يؤدي إلى “شلّ حركة” الخلايا المناعية من مصدرها، وليس فقط عبر مهاجمتها بشكل مباشر كما كان يُعتقد سابقاً.
وقالت الباحثة الرئيسية البروفسورة ماريا بيا ديلي-إسبوستي، رئيسة قسم علم المناعة التجريبي والفيروسي في معهد موناش لاكتشاف الطب الحيوي، إن هذا الاكتشاف يُغيّر فهم العلماء لكيفية تحكم الإشارات النسيجية في عمل جهاز المناعة.
وأضافت أنه “يمكن تشبيه الجهاز المناعي بمدينة مزدحمة بملايين الخلايا التي تقوم بدوريات لحمايتنا. بروتين CD44 هو بمثابة شرطي المرور المركزي، ينظم حركة الخلايا وتفاعلها. ما اكتشفناه هو أن الفيروس لا يهاجم الخلايا المناعية فقط، بل يستهدف أيضاً البنية التحتية التي تعتمد عليها، وهي طريقة جديدة تماماً لتقويض المناعة”.

آفاق علاجية جديدة
من جهته، أوضح الدكتور كريس أندونيو، الباحث المشارك في الدراسة، أن لهذه النتائج أبعاداً علاجية واعدة، لا سيما في مجال أمراض المناعة الذاتية.
وأشار إلى أن فهم كيفية تعطيل الفيروس لـ CD44 قد يفتح الباب أمام تطوير أدوية مستوحاة من هذه الآلية، تُستخدم بشكل دقيق للحد من الالتهابات المفرطة دون شل الجهاز المناعي بالكامل.
وقال: “إذا استطعنا محاكاة هذا التأثير بطريقة آمنة، فقد نتمكن من تهدئة النشاط المناعي الزائد، وهو ما قد يُحدث نقلة نوعية في علاج أمراض المناعة الذاتية”.
وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها المبكرة، لكنها تمثل تقدماً مهماً في فهم العلاقة المعقدة بين الفيروسات والجهاز المناعي، وتُسلط الضوء على طرق غير متوقعة يمكن من خلالها إضعاف أو تنظيم الاستجابة المناعية.
وختمت الدراسة بالتأكيد على أن استهداف “منظّم المرور” المناعي قد يصبح في المستقبل أداة مزدوجة؛ كسلاح تستخدمه الفيروسات، وفي المقابل قد يصبح مفتاحاً علاجياً جديداً بيد الأطباء والعلماء.






