أخبار خاصة

اتفاق واشنطن لوقف إطلاق النار هل ينجح “شرط ” التهدئة في إنقاذ الاقتصاد اللبناني من النزيف؟

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

جاء الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل من العاصمة الأميركية واشنطن ليفتح طاقة أمل ضيقة في جدار الأزمة المشتعلة منذ أشهر. هذا الاتفاق، الذي يأتي مثقلاً بتحديات ميدانية معقدة، يحاول إرساء قواعد جديدة للعبة عبر آلية “المناطق التجريبية” جنوب نهر الليطاني، وتحديد سقف زمني تفاوضي يبدأ في الثاني والعشرين من يونيو الحالي. ومع تصاعد التساؤلات حول مدى قدرة هذه الهدنة على الصمود، تتجه الأنظار أولاً إلى جبهة الاقتصاد التي أرهقها نزيف الحرب، ومن ثم إلى الوضع العام الذي يقف على مفترق طرق مصيري

تلقى الاقتصاد اللبناني المثقل بالخسائر جرعة أكسجين آنية فور الإعلان عن الاتفاق. من المتوقع أن تترجم هذه التهدئة سريعاً على شكل استقرار مؤقت في سوق الصرف، ممتصاً حالة الهلع الاستهلاكي التي سادت الأسواق مؤخراً. كما أن وقف الأعمال العسكرية سيسهم مباشرة في خفض رسوم التأمين المرتفعة على الشحن البحري والجوي، مما قد يمنح الأسعار المحلية فرصة للتراجع الطفيف.
ومع ذلك، يظل هذا التحسن قشوراً خارجية لم تلامس لبّ الأزمة الهيكلية؛ فملف إعادة الإعمار الضخم، الذي يتطلب مليارات الدولارات لتعويض أضرار جولة القتال الأخيرة، يبقى رهينة الشروط الدولية الصارمة. إن المجتمع الدولي والجهات المانحة يربطون بوضوح بين تدفق المساعدات وبين “السيطرة الحصرية للجيش اللبناني” على الأرض. وبناءً عليه، فإن الدورة الاقتصادية لن تتحرك بشكل حقيقي ما لم تتبدد غيوم النزوح المؤلم، ويعود مئات الآلاف إلى قراهم الحدودية لبث الروح في اقتصاد الأطراف.

على الصعيد العام والسياسي، يعيد بيان واشنطن خلط الأوراق الداخلية بقوة، واضعاً المؤسسة العسكرية اللبنانية في صدارة المشهد؛ حيث يتوقف نجاح الاتفاق على قدرة الجيش على تسلم “المناطق التجريبية” وضمان خلوها من أي مظاهر مسلحة غير حكومية. هذا الواقع يفرض ضغطاً سياسياً غير مسبوق داخلياً، ويعيد فتح النقاش الحاد حول سلاح حزب الله ومفهوم سيادة الدولة الكاملة على أراضيها.
وفيما تسعى واشنطن عبر هذا الاتفاق إلى فصل الجبهة اللبنانية عن الحسابات الإقليمية الكبرى، تبرز معضلة “التنفيذ المشروط”؛ فالاتفاق صريح في منح إسرائيل غطاءً دبلوماسياً لاستئناف عملياتها عند رصد أي تحرك تعتبره خرقاً، مما يجعل فتيل الاشتعال الحسي حاضراً دائماً، لا سيما وأن حزب الله ليس طرفاً مباشراً في التوقيع، وتفكيك بنيته التحتية جنوب الليطاني يمثل نقطة تصادم شديدة الحساسية.

و لكي لا يتحول اتفاق واشنطن إلى مجرد “استراحة محارب” قصيرة الأمد كسابقاته، يرى مراقبون ومراجع متابعة أن هناك حاجة ماسة لخطوات استباقية وتكاملية على المستويين الاقتصادي والسياسي:
تأسيس “صندوق وطني طارئ لإعادة الإعمار”: تشرف عليه جهة دولية مستقلة بالتعاون مع الجيش اللبناني، لضمان شفافية التمويل وتوجيهه فوراً لترميم البنى التحتية الحيوية والمنازل في الجنوب، مما يسرع عودة النازحين وينشط العجلة الاقتصادية.
إطلاق “دبلوماسية التحييد الاقتصادي”: تحرك عاجل للحكومة اللبنانية باتجاه العواصم العربية والغربية لتأمين خطوط ائتمان طارئة ودعم مباشر لمصرف لبنان، مستغلة الزخم الدبلوماسي الأميركي الراهن لتثبيت الاستقرار النقدي.
صياغة استراتيجية دفاعية وطنية مرنة: استثمار المدة الزمنية الفاصلة عن مفاوضات 22 يونيو لعقد طاولة حوار داخلي سريع، يتم التوافق فيها على دور الجيش في “المناطق التجريبية” بالتنسيق مع القوات الدولية (اليونيفيل)، بما يحفظ السلم الأهلي ويمنع الذرائع الإسرائيلية لخرق الهدنة.
تفعيل الرقابة الدولية الذكية: الاعتماد على تكنولوجيا المراقبة اللوجستية المتطورة (طائرات المسح والتحشيد التقني الأميركي المقترح) لتوثيق الخروقات من أي طرف، وتفنيدها أمام مجلس الأمن لتجنب الانزلاق الفوري إلى الحرب عند كل حادث فردي.
إن لبنان يقف اليوم أمام فرصة هشة لالتقاط الأنفاس؛ فالأيام القليلة المقبلة، وحتى موعد طاولة المفاوضات المرتقبة، هي التي ستحدد ما إذا كان “مشرط” التهدئة الأميركي قد نجح في استئصال أورام الحرب، أم أنه اكتفى بوضع ضمادة مؤقتة على جرح ينزف بكثافة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *